صديق الحسيني القنوجي البخاري

420

فتح البيان في مقاصد القرآن

ويشقى بها آخرون ، فمن أعرض عنها وقال للنبي صلى اللّه عليه وسلم درست فهو شقي ، ومن تبين له الحق وفهم معناها وعمل بها فهو سعيد ، وفي هذا دليل قاطع على أن اللّه جعل تصريف الآيات سببا لضلالة قوم وشقاوتهم وسعادة قوم وهدايتهم . اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ أمره اللّه باتباع ما أوحي إليه وأن لا يشغل خاطره بهم بل يشتغل باتباع ما أمره اللّه . وجملة لا إِلهَ إِلَّا هُوَ معترضة لقصد تأكيد إيجاب الاتباع ، ثم أمره اللّه بالإعراض عنهم بعد أمره باتباع ما أوحي إليه فقال : وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ أي لا تلتفت إلى رأيهم ولا تحتفل بأقوالهم الباطلة التي من جملتها ما حكي عنهم آنفا ، وعلى هذا لا يجري فيها النسخ لأن المراد منه في الحال لا الدوام ، وقيل هذا قبل نزول آية السيف قال السدي : هذا منسوخ نسخه القتال فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [ التوبة : 5 ] والأول هو الأولى . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 107 إلى 108 ] وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ( 107 ) وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 108 ) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ عدم إشراكهم ما أَشْرَكُوا أي لجعلهم مؤمنين وفيه أن الشرك بمشيئة اللّه سبحانه خلافا للمعتزلة ، والكلام في تقرير هذا على الوجه الذي يتعرف به أهل علم الكلام والميزان معروف فلا نطيل بإيراده ، قال ابن عباس : يقول اللّه لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً أي رقيبا تمنعهم منا ومراعيا لأعمالهم مأخوذا بإجرامهم وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ أي قيم بما فيه نفعهم فتجلبه إليهم ليس عليك إلا إبلاغ الرسالة ، قال قتادة : الوكيل الحفيظ . وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ الموصول عبارة عن الآلهة التي كانت تعبدها الكفار ، والمعنى لا تسب يا محمد آلهة هؤلاء الكفار التي يدعونها من دون اللّه فيتسبب عن ذلك سبهم للّه عدوانا وتجاوزا عن الحق وجهلا منهم . وفي هذه الآية دليل على أن الداعي إلى الحق والناهي عن الباطل إذا خشي أن يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرم ، ومخالفة حق ووقوع في باطل أشد ، كان الترك أولى به بل كان واجبا عليه . وما أنفع هذه الآية وأجل فائدتها لمن كان من الحاملين لحجج اللّه المتصدين لبيانها للناس إذا كان بين قوم من الصم البكم الذين إذا أمرهم بمعروف تركوه وتركوا